السيد كمال الحيدري
276
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
ببعض رجال الدين وببعض رجال السلطة « 1 » . لكن هذه الملاحظة لا ينبغي أن تقودنا إلى حكم خاطئ على لوثر وأنّه تحرّر تماماً عن الفكرة القدرية المضخّمة للشيطان ، فما ينقل عنه يومئ بوضوح أنّه لم يخل ذهنه بالكامل من التصوّرات الموروثة التي تتحدّث عن قدرات هائلة للشيطان ليس في إغواء الإنسان وحسب ، بل أيضاً تخريب الحياة وملئها بالشرور من قبيل الأوبئة والآفات . ففضلًا عن إيمان لوثر بقدرة الشيطان على تسخير الأوبئة والآفات ضدّ الحياة الإنسانية ، يؤمن كذلك بتحالف السحرة ومبايعتهم سرّاً أو علانية لأرواح الشرّ وزمرة الشيطان ، ممّا يزيد من قدرات هذا التحالف على التخريب وإيجاد الشرور . مع عصر النهضة الأوربية راحت فكرة الشرّ الكوني متمثّلة بإبليس وزمرته من الشياطين والسحرة تنحسر شيئاً فشيئاً ، وتتلاشى لصالح فكر أكثر عقلانية وأقلّ قدرية في التعامل مع مظاهر الشرور . عند هذا المنعطف برز تيّاران في مناخات الفكر الأوربى ، أحدهما ، وهو التيّار اللاهوتي ، بقي وفيّاً لمهمّة التوفيق بين ما تمليه عليه نصوصه أو مواريثه الدينيّة والمعطيات الجديدة التي برزت إبان انطلاق النهضة الأوربية خاصّة ما أطلق عليه بعصر الأنوار . في حين برز تيّار آخر أخضع فكرة الشيطان إلى مقاييسه في العلم التجريبى فأنكرها في سياق ما أنكر من مغيبات وما يقع خارج دائرة الحسّ والتجربة . كما تعامل مع الشرور بتفسيرات إنسانية أرجعتها أو أغلبها إلى تخلّف الإنسان . ظلّ التيّاران يتدافعان بين مدٍّ وجزر ، إلى أن تمّت الغلبة أخيراً للتيّار الثاني الذي اكتسح الساحة الأوربية بفكره العلمانى ، في حين انحسر التيّار الأوّل ولم يعُد له وجود إلّا في حدود أنطقة مهمّشة تتداول هذه الأفكار في الأروقة العلمية ومراكز البحث ، من دون أن يعنى ذلك مطلقاً غياب فكرة الشيطان والسحر
--> ( 1 ) إبليس ، عبّاس محمود العقّاد ، ص 306 فما بعد .